السيد علي الطباطبائي

457

رياض المسائل ( ط . ق )

فإنهما ممن أجمع على تصحيح ما يصح عنه العصابة في الشهود إذا شهدوا على رجل ثم رجعوا عن شهادتهم وقد قضى على الرجل ضمنوا ما شهدوا به وغرموه وإن لم يكن قضى طرحت شهادتهم ولم يغرموا الشهود شيئا وفي النبوي الخاصي من شهد عندنا بشهادة ثم غيرها أخذنا بالأولى وطرحنا الأخرى وكذا مع بقائه مطلقا استوفى أم لا على الأشهر الأقوى بل عليه عامة متأخري أصحابنا بل وقدمائهم أيضا كما يفهم من المبسوط لكن في صورة الاستيفاء خاصة فإنه قال وإن رجعوا بعد الحكم وبعد الاستيفاء لم ينقض حكمه بلا خلاف إلا من سعيد بن المسيب والأوزاعي فإنهما قالا ينقض وعبارته كما ترى عامة لصورتي بقاء العين وتلفها وفي السرائر الإجماع عليه أيضا وهو الحجة مضافا إلى إطلاق المرسل وما بعده المؤيد بعد الشهرة وحكاية الإجماع ونفي الخلاف المتقدمة بما ذكره الجماعة من الأدلة من نفوذ الحكم بالاجتهاد فلا ينقض بالاحتمال وأن الشهادة إقرار والرجوع إنكار والإنكار بعد الإقرار غير مسموع وأن الشهادة أثبت الحق فلا يزول بالطارئ كالفسق والموت ومنه يظهر ضعف ما اختاره الشيخ في النهاية والمرتضى وابن حمزة من أنه إن كانت العين المحكوم بها للمشهود له قائمة عنده ارتجعت منه ولم يغرما شيئا وإن كانت تالفة ضمن الشهود مثلها أو قيمتها للمشهود عليه ومع ذلك حجتهم عليه غير واضحة عدا ما استدل لهم جماعة من أن الحق ثبت بشهادتهما فإذا رجعا سقط كما لو كان قصاصا وهو كما ترى لما فيه من إعادة المدعى والقياس المتضمن فارقا فإن القصاص يسقط بالشبهة بخلاف الحق المالي مع أنه جار فيما إذا استوفى العين وتلفت ولم يقولوا فيه بما هنا بل التزموا بالحكم ثمة فتأمل جدا وأما ما في الكفاية من الاستدلال لهم بالصحيح في شاهد الزور قال إن كان الشيء قائما بعينه رد إلى صاحبه وإن لم يكن قائما ضمن بقدر ما تلف من مال الرجل فضعيف في الغاية بل هو غفلة واضحة لوضوح الفرق بين شهادة الزور والرجوع عن الشهادة لأعميته عن الأول بلا شبهة فيحتمل اختصاصه بما في الصحيحة دون الرجوع عن الشهادة ويكون الحكم فيه ما ذكره الجماعة ولا بعد في الاختصاص بعد ورود النص الصحيح به وإطباق الفتاوى عليه كما يأتي وضوح ما ذكرناه من الفرق فإن الرجوع لم يثبت منه كون الشهادة الأولى على الزور ليترتب عليه ما في الصحيح المزبور لما مر من التردد بين صدق الأولى والثانية ومعه لا يقطع بكون الأولى على الزور وبالجملة ما في الصحيح من الحكم برد العين مع بقائها وضمان الشهود لها مع تلفها معلق على شاهد الزور وهو فرع العلم به للحاكم بنحو من الشياع وغيره ولا يحصل بالرجوع ونحوه وبذلك صرح الأصحاب ومنهم الشهيدان وغيرهما حيث قالوا بعد الحكم بما في الصحيح الوارد في شاهد الزور وإنما يثبت التزوير بقاطع كعلم الحاكم لا بشهادة غيرهما ولا بإقرارهما لأنه رجوع وهذا القول صريح في الفرق الذي ذكرناه وأصرح منه ما ذكره الفاضل في المختلف حيث قال بعد أن نقل عن الإسكافي في قوله بأنه إذا علم الحاكم ببطلان الشهادة فإن كان الشيء الذي حكم به قائما رد على صاحبه إلى آخر ما في الصحيح ما لفظه وهذا الكلام حق لأن العلم ببطلان الشهادة غير الرجوع لجواز أن يكون الرجوع باطلا انتهى وبالجملة لا ريب في كون ما ذكره غفلة وضعيفا في الغاية وأضعف منه ترجيحه لهذا القول بعد استدلاله المتقدم إليه الإشارة وذلك فإنه بعد تسليم ارتباط الصحيحة بمورد المسألة لا يمكن المصير إليها بمجرد الصحة لرجحان ما قدمناه من المرسلة وغيرها عليها من وجوه عديدة ومنها اعتضادها دون الصحيحة بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا بل إجماع في الحقيقة كما عرفت حكايته في كلام جماعة مضافا إلى الأدلة الأخر المتقدمة مع رجوع الشيخ عما في النهاية في المبسوط إلى ما عليه الجماعة فلم يبق إلا القاضي وابن حمزة وهما نادران بالإضافة إلى باقي الأصحاب بلا شبهة فلا ريب فيما ذكره الأصحاب في المسألة بحمد اللَّه سبحانه ويستفاد من عبارة المبسوط المتقدمة وقوع الخلاف في الحكم إذا كان الرجوع قبل الاستيفاء وهو لازم للنهاية ومن تبعه وصرح به ابن حمزة في الوسيلة وبه أفتى بعض متأخري الطائفة مع ميله إلى ما ذكره الأصحاب أو تردده فيه من عدم نقض الحكم بالرجوع بعد الاستيفاء ومحصله الفرق بين الرجوع قبل الاستيفاء فينقض الحكم جزما وعدمه فلا ينقض كذلك أو احتمالا وهو ضعيف جدا ولذا لم يحكم به أحد من الأصحاب القائلين بعدم النقض مع الرجوع بعد الحكم بل صرحوا بالعدم لإطلاق الأدلة بل عمومها ومع ذلك مستند البعض غير واضح وحجة النهاية على تقدير تسليمها لا تدل على التفصيل الذي ذكره جدا وهو لا يقول بإطلاقها [ الثانية إذا ثبت أنهما شاهدا زور ] الثانية إذا ثبت أنهما شاهدا زور وكذب نقض الحكم واستعيدت العين مع بقائها ومع تلفها أو تعذر ارتجاعها يضمن الشهود بغير خلاف ظاهر مصرح به في السرائر وهو الحجة مضافا إلى الصحيح المتقدم ونحوها صحيحة أخرى وعللوه أيضا بتبين اختلال شرط الشهادة كما لو تبين فسقهما قبل الحكم وأولى بالبطلان هنا وقد مر بعض ما يتعلق بالمقام سابقا [ الثالثة لو كان المشهود به قتلا أو رجما أو قطعا ] الثالثة ما ذكر في المسألة الأولى من عدم الحكم مع الرجوع قبله لا يختص بالمال وإن كان موردها بل جار في جميع الحقوق فإن كان نحو الزنى جرى على الراجع حكم القذف فيجب عليه الحد إن كان موجبا له أو التغرير إن أوجبه هذا إن اعترف بالافتراء والتعمد وإن قال توهمت أو اشتبه على الأمر ففي وجوب الحد عليه وجهان وإن رجع الشاهد بعد القضاء وقبل الاستيفاء والعمل بمقتضى الشهادة في مثل القتل أو الحد أو التعزير نقض الحكم مطلقا سواء كان المشهود به حقا لله تعالى مثل الزنى أو لآدمي مثل القطع في السرقة والحد في القذف بالزنى ولو كان المشهود به قتلا أو رجما أو قطعا فاستوفى بمقتضى الشهادة ثم رجع الشهود فإن قالوا جميعا تعمدنا اقتص الولي منهم جميعا أو من بعضهم أو أخذ الدية في موضع لا يقتص فيه من المتعمد إن شاء ويرد هو تمام ما فضل عن جناية صاحبه على ورثة المقتص منهم إن كانوا جميع الشهود وإلا فعلى البعض الباقين أن يردوا على ورثة المقتص منه بقدر ما وجب عليهم من الجناية وتيمم الولي إن بقي عليه شيء كما إذا اقتص من أكثر من واحد وإن قتل واحدا لا يجب عليه الإتمام لحصوله برد الباقين ولو قالوا جميعا أخطأنا لزمهم الدية ولو اختلفوا في الوصف ف‍ قال بعضهم أخطأنا لزمه نصيبه من الدية ولم يمض إقراره على غيره مطلقا بلا خلاف في شيء من ذلك بل